معركة أبطال الإسلام ( ملحمة المجاز)

 هل سمعتم بالمجاز ؟!

أو بالأحرى ملحمة أو معركة المجاز البحرية وهي من المعارك الإسلامية البحرية الكبرى التي ركعت الامبراطورية البيزنطية في عقر دارهاوبسطت نفوذ الفاطميين والإسلام على غربي البحر الأبيض المتوسط وأهم الممرات المائية التي مهدت للسيطرة على جنوب إيطاليا وتخومأوروبا !

بالطبع ستكون الإجابة بالنفي عند الأغلب الأعم وخاصة في زمن التطبيقات والمعلومة السريعة المعلبة التي ساهمت في تحجيم وتسخيفالعقل البشري عبر سنوات من الضخ التسطيحي لمعلومات وشذرات فكرية لاتسمن ولاتغني من جوع ولهب وسطوة الجهل الذي أصبح سمة المجتعمات في هذا الزمن ويستثنى من ذلك قلة لاتكاد تذكر

ولابد أن يتبادر إلى ذهن المتلقي والقارئ الكريم سؤالا مهما ملحا وهو ، كيف تكون معركة بهذا الحجم وهذا المجد وهذا التاريخ التليدويجهلها أغلب مكونات المجتمع الإسلامي !؟

والجواب بكل بساطة هو التعصب المذهبي والعقائدي المقيت الذي سيطر على ذهنية وعقل وأفكار مؤرخي السلطة العباسية وانتقل بدورهللمؤرخين المقلدين لهم عبر عصور الظلام والتحيز والاستقطابات المذهبية وصولا لهذا العصر الذي تفوق فيه الإنسان على المستوى الرقميوالمادي وتراجع على مستوى القيم والأخلاق والفكر وحتى المنطق والعقل !

والحديث عن التعصب والتخلف المذهبي يطول وخير ماندلل به على كلامنا هو النموذج الوهابي الذي انبثقت منه خلايا التدمير والتكفير عبربوابة الإخوان الشياطين التي خرجت من تحت عباءتها داعش وأخواتها !!


حسنا ، دعونا من هذا كله


ماهي المجاز أو بالأحرى ماهي معركة وملحمة الفخر الفاطمية التي ذاد فيها الفاطميون عن حمى الإسلام وكانوا السد المنيع والطودالشامخ أمام أطماع الحملات البيزنطية والصليبية لاحتلال بلاد الإسلام والقضاء عليه '


منذ تأسيس الدولة الفاطمية سنة ٢٩٦ هجرية على يد الإمام عبدالله المهدي الفاطمي عليه السلام حرصت الدولة على وضع الخططالاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار للمواطن ولبلاد الإسلام عامة عبر إنشاء الحاميات العسكرية (قواعد عسكرية بالمصطلح الحديث ) في الأماكن الاستراتيجية والممرات المائية وبناء دار لصناعة السفن ( مصانع للسفن والأساطيلوالمعدات البحرية ) تحسبا لخطر الإمبراطورية البيزنطية التي كانت تضطهد المسلمين وتخرب مدنهم وبلادهم دون رادع أو خوف من الدولةالعباسية المتهالكة التي سيطر عليها الأعاجم وعلوج الترك والمغول في المشرق ، والدولة الأموية الفاسقة غربا في الأندلس التي هادنتالصليبيين وحاربت الفاطميين رغبة في القضاء على أي دولة لأهل البيت عليهم السلام


ولذلك ومنذ الوهلة الأولى وبفضل حكمة الإمام المهدي عليه السلام أخذ في رسم ووضع الخطط الجيوسياسية والعسكرية ويرصد الميزانياتالضخمة لبناء دولة عظيمة تصد خطر العدوان الصليبي المشرك القادم من أوروبا عبر السيطرة على البحر الأبيض المتوسط بل أكثر من هذاعبر غزو بلادهم والسيطرة على جزيرة صقلية المهمة التي استطاع بسط نفوذ الفاطميين فيها وإنقاذ مواطنيها المسلمين من القتل والأسروبسط الأمن والعدل وضمان حقوق الأقليات غير المسلمة ونشر مبادئ العدل والمساواة بين جميع طوائف ومكونات هذه الجزيرة من عربوبربر وروم وبين المسلمين والنصارى والحفاظ على مقدرات الشعوب وحقوقها


فقام الإمام المهدي ببناء المهدية العظيمة التي كانت حصنا منيعا وقلعة منيفة انطلقت منها الملاحم العظيمة منذ تأسيسها سنة ٣٠٣ هجريةتقريبا ثم استطاع الفاطميون بسط نفوذهم على جزيرة صقلية سنة ٣٠٤ هجرية حيث كانت تحت حكم الأغالبة التابعين للعباسيين وكانتتعيش اضطرابات وحروبا وعدم استقرار حتى انتزعها الفاطميون وبدأ مشوار المجد وتركيع الإمبراطوريات الكبرى .

واستمر الأئمة الفاطميون الذين قدموا بعد المهدي عليهم السلام بالسير على نهجه في وضع الخطط والاستراتيجيات طويلة الأمد للسيطرة على صقلية وجنوب إيطاليا والبحر الأبيض المتوسط عبر السياسة البحرية التوسعية والفائقة حتى تكون حائط صد أمام عدوان البيزنطيين على بلاد الإسلام

فقام الإمام المنصور عليه السلام بتولية القائد المظفر وصاحب البأس والمراس الحسن بن علي الكلبي على جزيرة صقلية التي كانت تعانيمن الحروب الأهلية والثورات والاضطرابات واستطاع هذا القائد البطل خلال سنوات حكمه الخمس بسط الأمن في هذه الجزيرة المهمةوالقضاء على الثورات والحروب الأهلية التي كانت تغذيها الإمبراطورية البيزنطية ولم يبق إلا مدينة رمطة وهي عبارة قلعة حصينة في شرقيالجزيرة ودارت حولها الملحمة التي سنحدثكم عنها بعد أن نضعكم أمام المشهد في الجزيرة وأحداثها بشكل مختصر دون إخلال بمادةالبحث

ومنذ استلامه تقريبا ٣٣٦ هجرية استطاع بسط الأمن في كافة ارجاء الجزيرة حتى اضطر المتمردون النصارى فيها إلى الخضوع ودفعالجزية عن يدٍ وهم صاغرون حتى قيل انهم دفعوا ثلاث سنوات فائتة ! وهذا إن دل فإنما يدل على قوة الفاطميين وحسن اختيارهم لقادة الجيوش والولاة

ثم قام الحسن بن علي بشن الغارات على بعض المدن القوية لإخضاعها مثل رمطة وطبرمين التي استعانت بالقسطنطينية مما أدى إلىتجدد الصراع بين الفاطميين والنصارى

وقد كانت قلورية هي الهدف الأهم للفاطميين وساحة الصراع القادمة للقضاء على المطامع البيزنطية التي كانت تعاونها الدولة الأمويةالخائنة في الأندلس 

وفي سنة ٣٤٨ هجرية قام الملك قسطنطين السابع بإرسال جيش ضخم بقيادة السردغوس نائب الملك في جنوب إيطاليا وأحد البطارقة للقضاء على الحسن بن علي والقوات الفاطمية فما كان من الحسن إلا أن أرسل يطلب العون والمدد من الإمام المنصور عليه السلام فقامالمنصور عليه السلام بتجهيز أسطول فاطمي ضخم يتكون من سبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمئة من المشاة ناهيك عن القطع والسفنالبحرية المتطورة وكذلك الجنود البحريين وضمها الحسن لجيشه وساروا نحو ريو ثم اقتحم قلورية العصية وحاصر جراجة حتى استسلمأهلها ثم اقتحم قلعة قسانة وحولها لمركز عمليات وإشراف على المناطق والجيوش حتى اضطر أهلها للهدنة ودفع الجزية وانهزم قسطنطين الهالك وجيوشه بعد أن ركعته جحافل جيوش الفاطميين وأساطيلهم العظيمة

ومع ذلك عاد الحسن بعد عام بأمر المنصور عليه السلام واقتحم قلورية وهزم فيها الصليبيين هزيمة منكرة وارتفعت رايات المسلمين وعمرت مساجدهم في قلب أوروبا ورغم أنف الطغاة والمشركين !

وقد أدت انتصارات الفاطميين العظيمة إلى التوصل إتفاق مذل للنصارى ينص على البنود الآتية

١توقف الصراع والقتال بينهم

٢الإفراج غير المشروط عن الأسرى المسلمين من أهل افريقية وصقلية وحتى من أهل المشرق من مواطني الدولة العباسية البائسة في معتقلات وسجون الطاغية البيزنطي

٣يدفع الملك البيزنطي أحد عشر ألف دينار جزية عن أرض قلورية وتكون مدة الهدنة خمس سنوات

واستمر الفاطميون في الهيمنة وتركيع أكبر امبراطورية غربية صليبية في عقر دارها وعلى ثغورهم وتخوم ديارهم وفي سنة ٣٤١ عاد الحسنبن علي إلى أفريقية وقام الإمام المنصور عليه السلام بتولية أحمد بن الحسن الكلبي على صقلية بعد أبيه تقديرا لجهود هذه الأسرة المخلصةوهذا القائد الشجاع الذي واجه أعتى وأشرس الأعداء ببراعة وفكر وشدة بأس منقطعة النظير

وقد حدثت بعض المعارك التي لسنا بصدد ذكرها وانتهت بهزيمة البيزنطيين واستطاع الفاطميون تأمين حدود هذه الدولة العظيمة وانتعشالاقتصاد وساد الرخاء واستمر هذه الهدوء الحذر وانتقل الإمام المنصور عليه السلام واستلم المعز لدين الله عليه السلام زمام الأمور وهذهالمهمة العصيبة لقيادة الأمة الإسلامية لمزيد من القوة والتمكين وصناعة التاريخ المرصع بالإنجازات والاختراعات والانتصارات العسكريةوالفكرية والسياسية حتى يومنا هذا

ورغم التزام الفاطميين بالعهد والهدنة حقنا للدماء إلا أن مرارة الهزيمة كانت تؤرق البيزنطيين حتى قرر رومانوس الثاني الذي نقض المعاهدةوشن الحملات على (كريت )فقرر الإمام المعز عليه السلام تأديب هذا الخائن فهزم البيزنطيين مرة أخرى هزيمة منكرة ثم قرر الزحف علىباقي المدن والقلاع حتى سقطت تحت حكم الفاطميين وتحت قيادة قائدهم المحنك أحمد بن الحسن الكلبي وكان آخرها قلعة طبرمينالحصينة التي كانت تمثل ضربة قاصمة للبيزنطيين 


المرحلة الحاسمة : ((معركة رمطة))

بعد هذه المقدمة الصغيرة في بداية المقالة والتي اختصرت لكم فيها الكثير من الأحداث والإرهاصات التي ستؤدي فيما بعد إلى معركةالمجاز الكبرى وبعد سيطرة الفاطميين على آخر القلاع الحصينة في صقلية والقضاء على نفوذ البيزنطيين لم يتبقى إلا مدينة أو حصن رمطة التي كانت تمثل المعقل الأخير للبيزنطيين فقد بادر الفاطميون بكل حزم ودون تردد إلى محاصرة هذه القلعة ومدينة رمطة التي سارع أهلهاإلى الاستعانة بملك القسطنطينية لقطع الطريق على الفاطميين واستنقاذ المدينة بأي وسيلة وبأسرع وقت أمكنهم


فأمر المعز لدين الله عليه السلام الحسن بن عمار بالخروج إلى رمطة ومحاصرتها ومعاونة عامله على صقلية الأمير أحمد بن الحسن علىمواجهة الجيوش البيزنطية القادمة فوصل الحسن بن عمار إلى رمطة وضرب عليها الحصار المحكم الشديد ونصب المجانيق ( جمع منجنيقوهي كلمة فارسية وتشبه في عملها راجمات الصواريخ في زمننا هذا ) وكذلك نصب العرادات وهي تشبه المنجنيق ولكن بشكل أصغر وسهلةالحركة وأكثر مرونة وسرعة وهذا دليل على تفوق الفاطميين في الصناعات العسكرية والقطع والمعدات العسكرية والحديث عن هذه الصناعات يحتاج مقالة مطولة نفردها لها ليس هذا مكانها

واستمر الحصار طويلا وكان محكما لدرجة أن الفاطميين وجيوش المسلمين قد بنوا البيوت وأقاموا الأسواق حول رمطة لطول هذا الحصاروقوة المحاصرين وشجاعتهم ونجاعة الخطط العسكرية والاستراتيجية التي قطعت الإمداد البيزنطي عن المدينة طوال هذه المدة التي استمرتأشهرا طويلة

وفي سنة ٣٥٢ هجرية هلك الطاغية ملك بيزنطة رومانوس الثاني وتولى الحكم بعده المجرم السفاح المشهور نفقور فوكاس الذي أغراه غزوهعلى كريت فتوهم أنه يستطيع رد اعتبار الامبراطورية البيزنطية التي مرغ الفاطميون أنفها في وحل الذل والصغار وأراد رفع رايات الشركوالصليب ضد راية الإسلام التي ظلت ترفرف في سماء المجد بفضل الفاطميين من نسل الزهراء وأمير المؤمنين عليهم السلام

وكانت الأحد عشر ألفا التي يدفعها البيزنطيون كجزية للفاطميين والمسلمين تمثل غصة في حلق هذه الإمبراطورية الضخمة وبمثابة العارالذي لحق بسمعة الامبراطور الذي كان يحكم العالم المسيحي والغربي وتحطيما لسمعة الامبراطورية العالمية التي ظلت تذيق الدول الإسلامية المتعاقبة الخسف والهوان ماعدا بعض المراحل التاريخية والحقب التي قاوم فيها المسلمون هذا الطغيان النصراني البيزنطيالكنسي حتى أتى الفاطميون وأرغموهم على دفع الجزية في عقر دارهم وفي وسط بلادهم 

وبدأ نفقور فوكاس في تعبئة الجيوش والشعوب ضد الفاطميين بعد أن أتاه الطلب من رمطة المحاصرة فقرر الزحف بجيش ضخم قوامه أربعون ألفا لمهاجمة هذه المدينة الصغيرة لإنقاذ الحاميات البيزنطية وآخر معاقلهم في صقلية وربما توهم أنه يستطيع انتزاع صقلية من يدالفاطميين وكان الهدف الرئيس والأهم عنده هو القضاء على جيوش الحسن بن عمار وثم غزو صقلية والقضاء على أحمد بن علي فيها ومنمعه من القوات ثم الزحف عبر البحر الأبيض المتوسط لتحقيق حلمه بغزو شمال أفريقية ومصر وبسط نفوذه هناك ولكن الأحلام شيء والواقعالفاطمي العظيم شيء آخر وصادم وساحق له ولأمثاله والذي سيمهد لأهم الأحداث ولأحد أعظم المعارك البرية والبحرية على حد سواء رغم قلة عدد الفاطميين في مواجهة جيوش بيزنطة وسطوتها


فقد جهز سيدنا المعز عليه السلام أسطولا بحريا ضخما من إنتاج المصانع الفاطمية المتطورة التي أنتجت نموذجا متطورا من السفنالحربية الخارقة في قدراتها الحربية وأشكالها الهندسية النموذجية التي تجعلها تتفوق على سفن العدو من حيث السرعة والانسيابية في مواجهة الظروف الصعبة واختراق عباب البحار والمحيطات بقوة وثبات مما شكل صدمة للأعداء الحربيين وخاصة البيزنطيين الذين كانوايعتقدون أن لاأحد يقدر على مواجهتهم في البر والبحر فحصل مالم يكن في حسبانهم


وعندها قرر نفقور فوكاس اتخاذ أول خطوة وهي قطع الجزية والأموال المقررة للفاطميين التي كان مقررا دفعها كل سنة إلى بلرم عاصمة صقلية ( بلرم بلغة العرب وهي باليرمو حاليا ولك أن تتأمل هذا المجد الفاطمي إلى أين وصل ) وكانت الجزية تبلغ أحد عشر ألف دينار كلعام مع الهدايا وغيرها من الشروط المذلة لهم وقرر تجهيز أربعين ألفا من الجنود والفرسان المدججين بالأسلحة الثقيلة والدروع وخصصهم لمهاجمة الحسن بن عمار بهذه الأعداد الغفيرة لتحرير رمطة وقلاعها المهمة من الحصار الفاطمي وإنقاذ الحاميات البيزنطية ليتسنى لهممهاجمة صقلية والسيطرة عليها ثم الشام ومصر لاحقا من خلال هذه القواعد العسكرية والتي تشكل رمطة آخر معقل مهم وأمل للبيزنطيين لإدارة حملاتهم العسكرية انطلاقا منها

وقام نفقور فوكاس بتعيين قائدين من أهم القادة لديه وأشجعهم ويمثلان الجانب العسكري من جهة عبر مانويل المتهور الذي كان يتميزبالشجاعة والإقدام وتنقصه الحكمة والدهاء والخبرة التي يحتاجها القائد العسكري وكان صغير السن وعنيدا ومتسرعا وليس كالقادةالفاطميين المتمرسين في الحروب والمعارك والملاحم الكبرى والشجاعة الفائقة ، وأما القائد الثاني فكان نيكتاس الذي يحمل التعاليم الدينية الكنسية وكانت عقيدته ذات بعد كنسي ديني ولم يتمتع بحزم القائد العسكري وحنكته كما كان الحسن بن علي وابنه أحمد والحسن بن عمار وغيرهم من القيادات الفاطمية المظفرة

وعلى الجانب الآخر كان الفاطميون قد استعدوا لهذا الهجوم العنيف والأعداد الضخمة عبر وضع الخطط العسكرية المذهلة والحديثة والاستراتيجيات التي سبقت عصرها والمبادرة لإصلاح الموانئ وتجهيزها وإصلاح الأسطول الصقلي وتأهيله وتجهيزه لأعظم معركة بحرية وبرية حدثت في هذه المنطقة الملتهبة والمهمة للدولتين

وأثناء اشتغال الأمير أحمد بن الحسن بتجهيز الأسطول البحري في صقلية كان الإمام العظيم المعز لدين الله قد أمر والد الأمير أحمدبالانضمام لإبنه في صقلية وأرسل معه أسطولا بحريا ضخما وجنودا بحريين وفرقة من الغواصين البارعين وكانوا يلقبون بأبطال الإسلام وكانت مهمتهم تشبه مهام (الضفادع البحرية بالمصطلح الحديث ) والغوص في العمق وتخريب سفن العدو كما سنبين لاحقا

وفي منتصف عام ٣٥٣ هجرية زحفت الجيوش البيزنطية وأساطيلهم البحرية نحو صقلية لقطع الطريق على الإمداد الفاطمي لابن عمار الذي يحاصر رمطة وانطلق مانويل أو عمانويل سمه ماشئت ، بأربعين ألف مقاتل من أشد المقاتلين نحو جيش الفاطميين الذي لم يبلغ حتى نصف عدد هذا الجيش الضخم الذي ينوي سحق الحسن بن عمار ومن معه والسيطرة على رمطة وإنقاذ مايمكن إنقاذه من حاميات عسكرية وقواعد مهمة للبيزنطيين وكانت أساطيل البيزنطيين تتمركز في ميناء مدينة ريو التي يربطها ممر مسينا الذي يعبرون منه إلى صقلية ويعبرمنه الفاطميون إلى جنوب إيطاليا وهو الذي أُطلق عليه مسمى المجاز ووقعت فيه المعركة البحرية الكبرى لاحقا وسميت به ومسيني أو مسيناأطلق عليه المجاز لأن الأساطيل الفاطمية كانت تجتازه لشن الغزوات المتتالية وشن الغارات الناجحة على جنوب إيطاليا وغيرها من المدنوالقلاع والحاميات البيزنطية


وقد وصلت إمدادات المعز لدين الله عليه السلام إلى صقلية قبل وصول الجيوش البيزنطية وقرر الفاطميون وضع الخطط التي تهدف لتأميناستمرار الحصار على رمطة بقيادة الحسن بن عمار بحيث لايصل لها المدد البيزنطي فقاموا بتقسيم الجيش على قسمين :

الأول يكون بقيادة الحسن بن عمار والاستمرار في حصار رمطة وحفر الخنادق حولها لتحصينها

والثاني بقيادة الحسن بن علي وابنه أحمد ويكون متأهبا في بلرم ( باليرمو ) وصقلية لصد الهجوم البيزنطي 


وقد تمكنت القوات البيزنطية من احتلال ترميني والسيطرة على ممر مسينا مؤقتا لوجود أسطولهم وتمركزهم هناك ونجحت في قطع الإمدادالفاطمي من صقلية إلى الحسن بن عمار في حصاره لرمطة


وزحف مانويل بالأعداد الغفيرة الضخمة على جيش الحسن بن عمار الذي كان أقل منهم عددا وعدة وعتادا ولكنه كان يملك مالايملكه النصارى وهي الشجاعة والإيمان بعدالة القضية والتعاليم الرفيعة التي تلقاها من القائد الأول والإمام العظيم الملهم المعز لدين الله عليهالسلام في الصبر على النوائب والإقبال على الشهادة والإقدام في ميادين القتال والعز والشرف

وقد تفتق ذهن الحسن بن عمار عن خطة لاتخلو من مغامرة وشجاعة وذكاء وتخطيط ينم عن عقلية استراتيجية قل نظيرها وشجاعة منقطعة النظير

فقام بتقسيم جيشه القليل إلى أربعة أقسام 

القسم الأول أمرهم بمواصلة الحصار على رمطة ومن فيها حتى لايخرج منها أحد لنشر الأخبار والتقارير عن الوضع على الأرض

والقسم الثاني والثالث على الواديين الذين يؤديان إلى المدينة حتى لايصل المدد من جيش مانويل إلى رمطة

وأما القسم الرابع فكان تحت قيادته وقرر هذا البطل مواجهة الموت المحتم والاشتباك مع هذا الجيش وجها لوجه واضعا روحه على كفه مقبلا للشهادة غير مدبر أمام هذه الخميس العطبطب والجيش العرمرم

وتخيل معي هذا المنظر المهيب حيث أحاط البيزنطيون بهذه الفرقة البسيطة التي قررت الغوص في كتائب العدو الذي أحاط بهم من ستاتجاهات في منظر مهول وقد وطّن الفاطميون أنفسهم على الموت والشهادة واشتبك الفريقان في معركة فاصلة لم تحدث في التاريخ البشريبهذه الكيفية وهذا التموضع التاريخي الذي لم يسبق له مثيل

ودار القتال الشرس وتطايرت الرقاب وتساقط الفرسان والأبطال وسقط الكثير من القتلى والشهداء من جيش المسلمين حتى قرر البطل الحسن بن عمار أن يحمل ومن معه حملة رجل واحد على كتيبة القائد مانويل وحرضهم على الصبر والقتال فهجموا على مانويل هجمة رجلواحد كالأسود الأشاوس والنمور الضارية مقبلين على الشهادة والموت ولم يرجعوا حتى أطاحوا برأس مانويل في مشهد مهيب زلزل أركان الجيش البيزنطي الذي وقف مذهولا وقد أصابه الخوار والرعب !

كيف يسقط قائدهم الشجاع مانويل وتحت قيادته هذه الجموع الهائلة التي تحيط به أمام فرقة بسيطة من جيش يقل عنهم عددا وعدة

فكانت النتيجة والمفاجأة أن ولى الجيش البيزنطي هاربا والمسلمون يلحقون بهم ويسقطونهم ويثخنون فيهم ويتساقط المجرمون الغزاة مابينقتيل وجريح وأسير أمام هذه الفئة القليلة المجاهدة الشجاعة 

قال تعالى (( وكم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين))

ولشدة الرعب الذي أصاب المشركين وأثناء هروبهم من الفاطميين سقطوا في حفرة كبيرة وأخذ بعضهم يقتل بعضا ظنا منهم أنهم الفاطميون وكانت موقعة عظيمة ومزلزلة لهم وقد قتل الفاطميون عشرة آلاف ناهيك عن الأسرى من كبار قادتهم والبطارقة والرؤساء منهم  والغنائم وانتصرت جيوش المعز لدين الله نصرا مؤزرا وتمكن الحسن بن عمار من الحفاظ على رمطة ومواصلة حصارها حتى استسلمت له وفتحها لاحقا


وقد ذكر ابن الأثير المؤرخ السني الشهير هذه الوقعة العظيمة في كتابه الكامل في التاريخ ولم يخف ذهوله وإعجابه مما حدث فيها فقال ((هُزم الروم أقبح هزيمة، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ووصل المنهزمون إلى جرف  خندق عظيم كالحفرة فسقطوا فيها من خوف السيف؛ فقتلبعضهم بعضا ، حتى امتلأت، وكانت الحرب من بكرة إلى العصر، وبات المسلمون يقاتلونهم فى كل ناحية وغنموا من السلاح والخيل وصنوفالأموال ما لايحد )) انتهى كلامه


وبعد هذه الهزيمة النكراء لجيوش نفقور فوكاس ومقتل مانويل توجه البقية الباقية من البيزنطيين هربا من الموت المحتّم من الذين هربوا من ميدان المعركة إلى الأسطول البيزنطي الذي ينتظرهم في ريو للنجاة من زحف المسلمين البري ظنا منهم أنهم الأقوى بحريا لإعادة الكرة علىالفاطميين عبر البحر والهجوم عبر ممر مسينا أو المجاز في آخر أمل لنفقور فوكاس لانتزاع صقلية ورمطة وغيرها من المواقع والمدن والحصون والقلاع الهامة جدا عبر الأساطيل البحرية وهنا حدثت الملحمة البحرية الكبرى

حيث قام الحسن بن علي بتحريك الأساطيل الفاطمية والتف من خلف خطوط العدو وباغتهم بحصار بحري مفاجئ وتقابلت الأساطيل فيممر مسينا ( المجاز ) وبعد جولات ومعارك مهولة وضربات فاطمية علوية سريعة وقاصمة تم تحطيم وسحق الأسطول البيزنطي الذي لايقهروتم إحراق سفنهم وتحويلها إلى حطام وركام في معركة وملحمة يبخل الزمان أن يجود بمثلها وقد حاولت بقية السفن البيزنطية الهرب من هذاالجحيم البحري فانبرى أبطال الإسلام ( فرقة الغواصين ) وغاصوا من تحت السفن البيزنطية ينقبونها ويغرقونها ثم يعودون بسرعة من تحتالماء إلى أساطيلهم الفاطمية وسفن العدو تتساقط مابين غريقة ومحترقة وأخرى ترفع راية الاستسلام مذهولين وقد أصابهم الرعب من هذهالأحداث السريعة العظيمة المتلاحقة وهذه الإنتصارات والخطط الفاطمية المدهشة والأساطيل الضخمة المرعبة والمتقدمة


وغنموا غنائم عظيمة وانتصروا انتصارات مجيدة ذكرها حتى ألد الأعداء والخصوم مثل ابن كثير وابن الأثير وغيرهم وقد آثرت أن أجلب هذه الشهادات من الخصوم حتى تكون دليلا حاسما قاطعا لكل جدل وتخرص وتدليس ممن يحاول إخفاء وطمس الحقائق وتغطية شمس الحقائق بغربال الكذب والتعصب المذهبي المقيت

فيذكر ابن كثير تلميذ ابن تيمية والكل يعرف عداء ابن تيمية لكل مايخص التشيع وأهل البيت عليهم السلام ولذلك فالحق ماشهدت لنا به الأعداء فيقول ابن كثير في تاريخه في البداية والنهاية في الجزء الثامن صفحة ١٠١ طبعة المكتبة العصرية بيروت نسخة من مكتبتي

فكتب مبديا إعجابه بهذه الملحمة الرائعة والانتصارات الفاطمية الخالدة والغنائم والنصر المؤزر والأحداث التي جرت في معركة المجاز مانصه ((من فبعث أهل صقلية إلى المعز الفاطمى يستنجدونه فبعث إليهم بجيوش كثيرة في وفيها كانت وقعة المجاز ببلاد صقلية، وذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير ومن الفرنج ما يقارب خلقا الأسطول، فكانت بين المسلمين والمشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قُتل أمير الروم ،منويل وفرت الروم، وانهزموا هزيمة قبيحة، فَقَتل المسلمون منهم كثيرا، وسقط الفرنج في واد من الماء عميق فغرقأكثرهم ، وركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صقلية فى آثارهم مراكب أخر ، فقتلوا أكثر المشركين فى البحر أيضا، وغنمالمسلمون في هذه الغزوة شيئا كثيرا من الأموال والحيوانات والأمتعة ،والأسلحة فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه : هذا سيف هندي زنته مائة وسبعون مثقالا ، طالما قوتل به بین یدی رسول الله فبعث في جملة تحف إلى المعز الفاطمي إلى إفريقية )) انتهى كلامه


وبعد ملحمة المجاز ماهي إلا فترة زمنية قليلة أعلن فيها أهل رمطة التسليم بعد أن قرر ابن عمار اقتحام الحصن واستخدام السلالم واختراق الحصن واقتحام المدينة وأسر المقاتلين ووضع القواعد العسكرية الفاطمية وتثبيت حكم المسلمين وتأمين رعايا الدولة من المسلمين وحمايتهم وأخذ الجزية على رمطة وقلورية وغيرها من المدن التي تساقطت أمام هذه القوة الإسلامية الفاطمية العظيمة


حقيقة أن القلم أثناء كتابته عن هذه الملاحم كان يتنفس الصعداء وكاد أن يحجم عن الكتابة معتقدا أنه لن يجيد التعبير والتحبير أمام هذه الملاحم والمعارك الدولية الكبرى التي سطرت تاريخ الفاطميين بأحرف المجد والفخر والشرف التليد ولكنه قرر أن يقدم إقدام ابن عمار على مانويل ويسطر الحقائق رافعا أرنبة أنفه الحبرية الخلابة فخرا واعتزازا وإعجابا ومحبة تحيط بها وشائج الولاية المقدسة ومزهوا بحب أميرالمؤمنين وذريته الطيبة المباركة من الفاطميين الكرماء الأبطال عليهم سلام الله وصلواته 

يكتب وهو يتخيل شخصية الشاعر الفاطمي العظيم وصاحب القصائد المدهشة والأديب المفحم وسيد الشعراء في عصره ومتنبي المغربالشاعر الفحل الأديب الكبير محمد بن هانئ الأندلسي يصف هذه الانتصارات العظيمة واقفا أمام سيد الأمة الإسلامية وإمام المؤمنين سيدنا المعز لدين الله عليه السلام في لاميته الشهيرة التي يقول في مطلعها


يومٌ عريضٌ في الفَخارِ طويلُ

ماتنقضي غُررٌ له وحجولُ


ينجابُ منهُ الأُفقُ وهو دُجنّةٌ

ويصحُّ منهُ الدهرُ وهو عليلُ


مَسَحَت ثُغورُ الشامِ أدمُعها بهِ

ولقد تَبُلُّ التُّربَ وهي هُمولُ


ويقصد أن انتصارات الفاطميين أزالت عن المسلمين الألم والأسى من ماصنعه بهم الروم في الشام من قتل للمسلمين وتخريب لديارهم فكانت هذه الملاحم بمثابة المواساة لهم وهذا إن دل فإنما يدل على أن الفاطميين يحملون هموم الأمة سنة وشيعة عربا وعجما


ثم يكمل هذا الملحمة الشعرية التي اقتطفت من بساتينها عدة أبيات لطولها فيقول مادحا للمعز عليه السلام وكيف أنه أذاق المشركين كأسالذل والهزيمة


و جلا ظلام الدين والدنيا به 

ملكٌ لما قال الكِرامُ فعولُ


متكشّفٌ عن عَزْمَةٍ عَلَوِيَّةٍ 

للكفر منها رنّةٌ وعويلُ


فَلَوْ أَنَّ سُفْناً لم تُحمِّلْ جَيشَهُ 

حملت عزائمه صباً وقبولُ


ولو أن سَيْفاً لَيسَ يَبْتُك حَدَّهُ

جذّ الرقابَ بكفّهِ التنزيلُ


إلى أن يقول 

قُل للدُّمستق موردِ الجمع الذي

ماأصدرتهُ له قناً ونصولُ


سلْ رهطَ منويلٍ وأنت غَررته

في أي معركةٍ ثوى منويلُ


منع الجنودَ من القفول رواجعا

تباً له بالمُندياتِ قُفولُ


لاتكذبنّ فكل ماحُدّثتَ من

خبرٍ يَسُرُّ فإنه منحولُ


ويكمل قائلاً

وبعثتَ بالأسطولِ يحملُ عدةً

فأثابنا بالعدةِ الأسطولُ


ورميت في لهواتِ أُسد الغابِ ما

قد بات وهي فريسةٌ مأكولُ


أدّى إلينا ماجمعتَ مؤخراً

ثم انثنى في اليَمِّ وهو جَفولُ



إلى قوله في تحدي للروم وأن بلادهم ليست كالبلاد التي غزوها سابقا وأن من دونها السيوف القواطع والصورام المسلولة بفخر يجعلك تسمووتشمخ بأنفك إلى سماك الجوزاء وتفخر بانتسابك للفاطميين فيقول


إنّ التي رام الدُمُستُقُ حربها

لله فيها صارمٌ مسلولُ


لاأرضها حَلَبٌ ولاساحاتُها

مصرٌ ولاعَرَضُ الخليج النيلُ


فلتعلم الأعلاجُ علماً ثاقباً

أن الصليبَ وقد عززت ذَليلُ


وليَعبدوا غير المسيحِ فليس في

دينِ الترهُّبِ بعدها مأمولُ


ماذاك ماشهدت له الأسرى به

إذ يهزأ الطاغي به الضليلُ


برئت من الإسلام تحت سيوفه

إلا اعتداد الصبر وهو جميل


سَلكتَ سبيل الملحدين ولم يكن

من بعد ذاك إلى الحياةِ سبيل


وفي أبيات يمدح فيها الإمام المعز صلوات الله عليه من أجمل مايمكن أن تمر عليها عيناك وتسمعه أذنك ويهتدي له قلبك ويستشعره وجدانك

فيقول في رائعته الشعرية مادحا المعز عليه السلام وحق له ذلك

من يهتدي دون المُعزّ خليفةً

إن الهدايةَ دونهُ تضليلُ


من يشهد القرآنُ فيه بفضلِهِ

وتُصدّقُ التوراةُ والإنجيلُ


والوصفُ يُمكنُ فيه إلا أنهُ

لايُطلقُ التشبيه والتمثيلُ


والناسُ إن قيسوا إليه فإنهم

عَرضٌ له في جوهرٍ محمولُ


تَرِدُ العيونُ عليه وهي نواظرٌ

فإذا صَدَرنَ فإنّهّنَّ عقولُ


كل الأئمةِ من جدودك فاضلٌ

فإذا خُصِصْت فكلهم مفضولُ


فافخر فَمِن أنسابك الفردوس إن 

عُدّت ومن أحسابِك التنزيلُ


وأرى الورى لغواً وأنت حقيقةٌ

مايستوى المعلومُ والمجهولُ


شَهِدَ البَريّةُ كلُّها لكَ بالعُلى

إن البَريّةَ شاهِدٌ مقبولُ


والله مدولولٌ عليه بصُنعهِ

فينا وأنتَ على الدليل دليلُ


ويالها من ملحمة شعرية وافقت ملحمة عسكرية خالدة فكانت الفعال الفاطمية سابقة للأشعار والأقوال وابن هانئ ليس شاعرا فحسب بلعالم لايشق له غبار في علوم التنزيل والتأويل وتحير في قصائده النقاد والشعراء والعلماء حتى رُمي بالزندقة والكفر من فرق الجهل والظلامالذين مازالوا يبثون سمومهم وتكفيرهم على الفاطميين عليهم السلام ويأبى التاريخ وتأبى الحقيقة إلا أن تخرسهم بشهادة كبار علمائهموأمهات مصنفاتهم بالدليل القاطع والبرهان الناصع


لعمري فلقد صدقت يابن هانئ رحمك الله في المعز لدين الله والمذل للمشركين عليه صلوات الله


شَهِدَ البَريّةُ كلُّها لكَ بالعُلى

إن البَريّةَ شاهِدٌ مقبولُ


ونحن بدورنا نتمثل قول الفرزدق ونفاخر بامتدادنا للفاطميين العظماء عليهم الصلوات والرحمات والتسليم

أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا ياجريرُ المجامعُ


اللهم صلّ على الرحمة المهداة والسراج المنير سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين سفن النجاة وحبل اللهالمتين صلاةً أبدا سرمدا لاتُحد ولاتحصى وبارك وسلم تسليما كثيرا


خادم العترة الطاهرة

حمدان بن هادي آل مخلص الفاطمي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راحة الوجدان وطريق الجنان

مؤمن في مِنى وعظمة الصلاة