الفاطميون منبع التسامح وصناع الحضارة

 (الفاطميون منبع التسامح وصناع الحضارة)


المنتصر هو من يصنع التاريخ !

دائما مانسمع هذه المقولة العالمية التي يتداولها الناس دائما في أحاديثهم

وهي إشارة إلى أن الأقوى والمنتصر في الحروب أو المواجهات في التاريخ البشري يجير التاريخ لصالحه مستخدما كل الوسائل المتاحةأمامه لصنع تاريخ يخلده بين طيات التاريخ

ولكن

تجد في العالم الإسلامي العكس هو الصحيح تماما !

كيف ؟

سأقول لكم كيف تم ذلك 

بكل بساطة

المنهزم والمتخلف والمتعصب مذهبيا والسفاح والقاتل والمجرم هو من صنع تاريخ المسلمين وليس حتى المنتصر !

وأكبر دليل على ذلك هو مادونه المؤرخون وعبيد السلطة العباسية وأصحاب الهوى الأموي المتعصبون المنهزمون ضد الدولة الفاطميةالمنتصرة

دولة الحضارة والإنسانية وشمعة الأمل الوحيدة التي بقيت لنا كمسلمين من هذا التاريخ البائس لنفخر بإنجازاتها وعلمائها وحتىانتصاراتها الساحقة ضد الصليبيين الذين كانوا لايريدون استمرار هذه الدولة الفتية التي استطاعت توحيد أقطار العالم الإسلامي والعربيتحت مضلة واحدة وحكم قوي يستطيع حمايتهم من الأخطار والغزوات


وسنتكلم هنا عن جزئية التسامح المذهبي والديني التي ميزت الدولة الفاطمية عن باقي الدول والممالك الإسلامية

فقد نشأت الدولة الفاطمية سنة ٢٩٦ هجرية في تونس على يد الإمام سيدنا عبدالله بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن جعفرالصادق عليهم الصلاة والسلام أجمعين

وحتى لايتشعب الموضوع فلن نتحدث عن الظروف التي مهدت لقيام الدولة فذلك مبحث آخر

ولكننا سنذكر نماذج رائعة وخالدة وجميلة من التسامح الذي لامثيل له ولانظير على مستوى التاريخ الإنساني لهذه الدولة التي افترى عليهاكل ناعق وحاقد ومتخلف من المؤرخين أصحاب القلوب المظلمة المدلهمة والعقول الملوثة رغبة في إرضاء صاحب السلطان العباسي المتخلفالذي كان يرى في وجود الفاطميين خطرا داهما على سلطانه الذي سخره لملذاته وجواريه وغلمانه وخموره


وحقيقة أن المرء يحار من أين يبدأ

لكثرة الإنجازات العظيمة التي تجعل الإنسان يتمنى لو عاد به الزمن القهقرى حتى يرى هذه الصروح الفاطمية التي أغاضت الأعداء وركعتكل معتدٍ وأفاكٍ أثيم !


ولاريب أن يكون التسامح هو شعار هذه الدولة العظيمة والإمام عبدالله عليه السلام عندما أسس أركان الدولة ووطد حكمها أمر بالسماحلجميع المذاهب بممارسة شعائرهم بكل حرية وعدم التعرض للمذاهب المخالفة بأي حال من الأحوال

بل حتى القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرته كانوا يتّسمون بسمة التسامح واللين مع المخالف !

فلنا في مقولة أبو عبدالله الشيعي رحمه الله عندما خاطب أخاه أبو العباس وحذره ومنعه من إجبار الناس على اتباع مذهب معين خير دليلحيث قال

(( نحن دولة حجة وبيان ولسنا دولة قهر واستطالة ))

وفعلا

كانت الدولة الفاطمية دولة حجة وبرهان وكانت الدول الإسلامية دول قهر واستطالة وإرهاب فكري وجسدي


فكانت الواحة الفاطمية وبروزها على الساحة بهذا النهج التسامحي بمثابة المفاجأة الغير متوقعة تماما بالنسبة للشعوب الإسلامية

فهاهو جوهر الصقلي عندما وصل إلى مصر وبتوجيه من الإمام المعز لدين الله عليه السلام يطمئن المصريين ويضمن لهم حقوقهم ويضع أولوثيقة عالمية تقر حقوق الإنسان وتحفظها وتسمح بممارسة المذاهب المختلفة لشعائرها بكل حرية وتسامح بل وتدريس مذاهبهم أيضا


وقد ذكر المقريزي هذا العهد وعدد من المؤرخين المسلمين

(وقدم جوهر إلى مصر في سنة 358 للهجرة، فاشترط عليه وجوه الأمة ورؤساؤها قبل التسليم عقائدهم ومألوفاتهم فكتب لهم عهد أمانهالذي قال فيه ((ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم فذكرتها إجابة لكم وتطمينا لأنفسكم فلم يكن في ذكرها معنى ولا في نشرهافائدة إذ كان الإسلام سنة واحدة وشريعة متبعة وهي إقامتكم على مذهبكم وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء المفروض في العلموالاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بعدهم ولكم علي أمانالله التام العام الدائم المتصل الشامل الكامل المتجدد على الأيام وكرور الأعوام"))


وأمر سيدنا المعز عليه السلام ببناء الأزهر الشريف الذي كان أعظم صرح إسلامي وكان الرافد الأهم لظهور أكبر العلماء والفقهاء على مرالتاريخ الإسلامي 

وقد سمح بتدريس المذاهب الأخرى بكل حرية حتى وصل الأمر لتخصيص حلقات ودروس داخل الأزهر والمساجد الفاطمية لكل مذهبٍ علىحدة

فكانت حلقات أبو بكر النعّال المالكي تدور على ١٧عمودا لتدريس مذهبه بكل يسر وسهولة

وكذلك عبدالسلام القزويني المعتزلي الذي كان ينعم بأجواء الحرية الساحرة في العهد الفاطمي

وكذلك القاضي الشافعي المعروف محمد البغدادي الذي ظل يدرس المذهب الشافعي وتولى القضاء وبقي في ظلال الفاطميين الوافرة حتىوفاته

وكذلك العالم الفقيه علي بن عبدالوهاب إمام المالكية في عصره الذي قال عنه المؤرخون السنة بأنه لم يكن هناك من هو أفقه منه

وقد انتقل من بغداد بعد أن شارف على الهلاك من الفقر والجوع وأتى إلى مصر فانتعشت أحواله وأكرمه الفاطميون غاية الإكرام وتحسنتأحواله وظروفه ولكنه أصيب بمرض الفالج فقال مقولته المشهورة

(( لاإلٰه إلا الله عندما عشنا متنا))

في إشارة إلى التعامل الرائع والراقي الذي لقيه من الفاطميين

وهذا التسامح أذهل حتى القلقشندي الذي عبر بأن مذهبي الشافعية ومالك كانا ظاهري الشعار في زمن الفاطميين

والأمثلة كثيرة ومتعددة للعلماء والفقهاء والفلاسفة الذين وجدوا في الدولة الفاطمية التسامح والحب والإخاء والتقدير للعلم والعلماء وكان القرنالرابع والخامس من أعظم وأزهى وأرقى القرون ثقافيا وعسكريا وعلميا وإنسانيا واجتماعيا واقتصاديا وعلى جميع الأصعدة بسبب هذهالدولة الحضارية العظيمة

والذي يدعو للعجب فعلا وللفخر

أن الأئمة والخلفاء الفاطميون عليهم السلام كانوا يشرفون بأنفسهم على دور العلم والمساجد والمكتبات وجامعة الأزهر ودار الحكمة وكانوايوفرون كل مستلزمات العلم ويخصصون الميزانيات من خزانة الدولة في سبيل راحة العلماء وتوفير كل مايحتاجون بل وتقديم الدعوة لهم التيكانت بمثابة الإبتعاث ولكنه أرقى أنواع الإبتعاث في التاريخ لأن الفاطميون هم من يدفع للمبتعثين وتوفير احتياجاتهم على عكس ماتقوم بهالدول الغربية التي تدعي التمدن والتقدم من شفط لميزانيات الدول العربية بحجة أنها تقوم بتدريس أبنائها

ناهيك عن إشراف الأئمة الفاطمين بأنفسهم على المناظرات العلمية التي تجري بين مختلف المذاهب والمدارس الفكرية وكانوا يتمتعون بثقافةمعرفية موسوعية وعقليات جبارة وكانوا يشجعون العلوم والمعارف

فكان سيدنا المعز عليه السلام يتحدث ست لغات بطلاقة وهو الذي اخترع القلم الذي نكتب به الآن بعد أن كان العلماء والمؤرخون يعانونالأمرين من الريشة وغمسها في المحبرة فتسبب إختراعه في قفزة علمية مذهلة ساهمت في تحرير حركة التدوين وتطورها بشكل سريع جدا

ناهيكم عن تسامحه عليه السلام مع من تطاول عليه وسبه سواء في مصر أو خارجها ولم ينل من رموزهم

بل أمر بكتابة هذه العبارة الخالدة العظيمة وهي (( خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي طالب عليه السلام ))

الله الله

ماأعظمها من دولة وماأعظمهم من أئمة ساروا على نهج جدهم الحيدر الكرار عليه السلام ورفعوا راية الإسلام في كل محفل وموطن وحملوامشعل الحضارة والإنسانية والتقدم ولن يستطيع الأوباش والمتخلفون والعملاء من مؤرخي وعبيد السلطة أن يشوهوا الحقيقة ويغتالوها ولورموهم بالكفر والزندقة

فإنجازات الفاطميين كالشمس في رابعة النهار رغم أنوف الحاقدين الظلاميين

عجبا لهؤلاء الحمقى ولمن صدقهم

ألم يسألوا أنفسهم لم يتجشم الفاطميون كل هذا العناء من أجل الإسلام والمسلمين وإنشاء الجامعات ودور العلم والمساجد والمكتبات حتىوصل عدد الكتب في دار الحكمة لمليوني كتاب ومؤلف من الدرر واللآلئ العلمية 

ناهيك عن جهادهم ضد الصليبيين فيما كان بنو أمية العملاء في الأندلس يتحالفون بكل خسة مع البيزنطيين الصليبيين ضد الفاطميين

حتى حطمهم الفاطميون على نهر العاصي ودحروا باسيل الثاني ومن معه من بني أمية


فمن هو الخائن والعميل والزنديق ياترى

أليس هم الأمويون والعباسيون وخراب الدين الذي قتل المؤرخ والعالم السني الكبير عمارة اليمني

وقطّعه بالسيف بسبب قصيدته الشهيرة التي رثى فيها الفاطميين وبيته الذي قال فيه 

مذاهبهم في الجود مذهب سنة

وإن خالفوني في اعتقاد التشيع


فهل هذه جريمة تستحق إباحة دم مؤرخ وعالم مسلم 

ناهيك عن تدميره لمئات الآلاف من الكتب الثمينة التي أضنى فيها العلماء أنفسهم وسهروا الليالِ الطوال من أجل تأليفها لكي يدمرها بكلخبث وغباء وتخلف مما تسبب في نكسة حضارية وفكرية وثقافيةعميقة وخطيرة للعالم الإسلامي ! 

فمن هو المجرم هنا ومن هو عدو الإسلام والمسلمين ؟ 

نحن بحاجة لغربلة التاريخ وإعادة صياغته من جديد على أسس علمية رصينة وموضوعية تقوم على البحث الجاد والتنقيب المستمر لنفضركام التعصب والأهواء المذهبية المدمرة


وقد استمر الفاطميون في هذا النهج المتسامح الرائع الذي كان عاملا مهما ودافعا كبيرا لهجرة الكثير من العقول الجبارة والمبدعين إلى

هذه الواحة ليستريحوا فيها ويعيشوا في دعةٍ وراحة وطمأنينة في ظل دولة الرفاه الإقتصادي والثقافي بعيدا عن قيود السلطة العباسيةوقمعها واضطهادها 

حتى أصبحت الدولة الفاطمية العظيمة منارة للعالم الإسلامي واستطاعت إستقطاب العلماء بإختلاف مذاهبهم ومدارسهم وتوجهاتهم منكافة الأقطار والأوطان الإسلامية حيث كانت ملاذا آمنا وجنة الله في أرضه التي لم يخلق مثلها في البلاد


فعلا كانت هي المدينة الفاضلة التي بحث عنها الإنسان منذ نشأته فكانت

أسوارها :التسامح والتآلف

وأبوابها: الإنجازات الحضارية

وشوارعها: العلوم العظيمة

وباطنها: اللآلئ والأسرار الحكمية

وحكامها : نسل العترة النبوية العلوية الفاطمية القدسية


اللهم صلِّ على سيدنا محمد منبع الأنوار وسيد الأكوان وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين

واجعلنا من الثابتين على الولاية لنسلهم من الفاطميين واحشرنا في زمرتهم وبارك وسلم صلاة قدسية أبدية أزلية سرمدية


خادم العترة الطاهرة 


حمدان آل مخلص اليامي الهمداني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راحة الوجدان وطريق الجنان

مؤمن في مِنى وعظمة الصلاة